السعدني
11-09-2007, 04:32 PM
سيرة ابن كثير: ونقف هنا مستعرضين كتابة ابن كثير في سيرة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، متأملين في خصائصه باحثين عن منهجه.
1 - إن أول ما نلمسه في سيرة ابن كثير أنه اهتم بالرواية بالاسانيد، تمشيا مع صبغته الغالبة عليه كإمام محدث، وأكثر مروياته عن الامام أحمد والبيهقي، وأبى نعيم.
فلم يكتف بنقل ما كتبه أهل السير أمثال ابن إسحاق وموسى ابن عقبة، ولكنه جمع ما رواه أهل الحديث وبذلك اكتسب مزية يتفرد بها بين من كتبوا في السيرة.
وقد نقد ابن كثير بعض الاسانيد عند ما يكون المتن غريبا، ليحكم على بعض الاحاديث، وأحيانا يبين درجة الحديث دون أن ينقد السند 2 - ثم نجد ابن كثير يمتاز بأنه ينقل عن بعض كتب السير المفقودة مثل كتاب موسى بن عقبة، ومثل كتاب الاموى في المغازى، كما ينقل عن بعض شروح السيرة مثل الروض الانف للسهيلي، والشفا للقاضى عياض.
3 - وفى مجال الاستشهاد بالشعر لا يهمل ابن كثير هذه الناحية، ولكنه لا يتابع ابن هشام في كل مروياته من الشعر فيختصر بعضها ويهمل البعض الآخر.
4 - وبالجملة فإن ابن كثير يحرص على جمع كل ما كتب في الموضوع الذى يتناوله،
ولكنه لا يدمج الاحاديث والاخبار بعضها في بعض، بل يحتفظ لكل نقل بطابعه ومكانه، وكثيرا ما يعوزه الترتيب في النقل، فلا ينسق الاخبار التى ينقلها حتى تكون وحدة منسجمة فأحيانا يبدأ بالخبر المطول، ثم يذكر بعده أخبارا تحتوى على جانب من هذا الخبر أو تكرره 5 - فإذا تتبعنا نقول ابن كثير عن غيره وجدنا فيها ظاهرة عجيبة..هي: أنه يكاد لا يلتزم نص أي شئ ينقله..! فنقوله عن ابن إسحاق أغلبها
بالمعنى، وقد تتبعت ذلك في بعض الصفحات، ورأيت أن إثبات الفروق بين ابن كثير وابن إسحاق شئ يطول مداه، فابن كثير يقدم ويؤخر ويزيد وينقص، ويغير ويبدل ويفوت بهذا التغيير والتبديل كثير من جمال عبارة ابن إسحاق وتناسقها كذلك نجد روايات ابن كثير للاحاديث تختلف بعض الاختلاف عما في أيدى الناس من الكتب التى ينقل ابن كثير عنها.
فأحاديث البخاري التى يرويها ابن كثير بقوله: (وقال البخاري) لا تنطبق حرفيا مع صحيح البخاري الذى بأيدينا.
كذلك القول في روايته عن صحيح مسلم وعن مسند أحمد وعن دلائل النبوة لابي نعيم وعن دلائل النبوة للبيهقي، وعن الشفا للقاضى عياض وعن الروض الانف للسهيلي...تكاد لاتجد خبرا مطابقا بحروفه لما في الكتب المتداولة، فلا يخلو الامر من تغيير أو نقص أو اختصار.
وحين نقف أمام هذه الظاهرة نبحث عن أسبابها فإن هناك أحد احتمالين:
) إما أن يكون ابن كثير - وهو الامام الحافظ المتقن - كان يعتمد على حفظه وروايته ولا ينقل عن النسخ المتداولة 2) وإما أنه كانت هناك نسخ أخرى تختلف عما وصل إلينا من هذه الكتب.
وعلى كل فإن مثل ابن كثير حجة في باب الحديث ولكنها على أي حال ظاهرة تستلفت النظر أن تكون روايات ابن كثير للاحاديث ونقوله عن الكتب مخالفة لما في أيدينا من هذه الكتب...وهى مخالفة لفظية يسيرة في بعض الاحيان.
6 - فإذا ما تفحصنا منهج ابن كثير في الروايات، رأيناه لا يبالي برواية كثير من الاخبار الواهية وخاصة في أخبار الجاهلية وهتاف الجان وقصصه.
وقد كان بإمكانه ألا يلتفت إلى هذه الاخبار التى لا تتمالك أمام النقد، لكنه كان يبرئ نفسه بأمرين: 1) ذكر السند في كل خبر يثبته، وبذلك يلقى التبعة على غيره.
ب) أنه كان يعلق على بعض هذه الاخبار بأنه (غريب جدا) أو (لم يخرجوه) ونحو ذلك مما يضعف جانب الخبر.
لكننا مع ذلك نود أن لو أهمل ابن كثير هذه الاخبار التى ليس لها سند من العقل أو الحقيقة، والتى تزحم الاذهان وتشوش على الحقائق.
وخاصة فيما يتصل بحياة الرسول الكريم صلوات الله عليه، فمثلا الحديث الذى يرويه عن البيهقى عن العباس أنه قال للرسول صلى الله عليه وسلم: (رأيتك في المهد تناغى القمر وتشير إليه بإصبعك، فحيث أشرت إليه مال) ! ثم يذكر موافقة الرسول على ذلك حديث لا يتفق مع العقل أو مع حقائق الوجود، ولا يغنينا بعد ذلك أن يقول ابن كثير: (تفرد به أحمد بن إبراهيم الحلبي وهو مجهول).
إن مثل هذا الحديث يفتح ثغرة أمام أعداء الاسلام ليهجموا على السيرة النبوية من
اب أمثال هذا الحديث من الواهيات والموضوعات.
كذلك خبر خالد بن سنان، وهتاف الجان وأساطيره، سار فيها ابن كثير شوطا بعيدا ممتلئا بالخرافات والاساطير.
لكننا مع ذلك ننتحل العذر لابن كثير في إثبات مثل هذه الاخبار، إذ كان عصره يحتفل بها ويهتم بروايتها، وإذا كان قصده في كتابه الجمع والاستقصاء وما دام قد أخلى تبعته بإسناد كل خبر إلى روايه واهتم بالتخريج والحكم، فإنه بذلك يكون قد أدى واجبه وقام بما عليه.
7 - إن المطالع للسيرة النبوية لابن كثير يحمد لهذا الرجل جهده الذى قام به، إذ مزج أخبار السيرة بروايات الاحاديث فسن بذلك نهجا جديدا لم يكن من
قبله يهتمون به.
وإذ جمع كل ما يمكن في هذا المجال، فوضع أمام المطالع لكتابه مادة وافية تمكنه من الدراسة والاحاطة والاستيفاء.
وقد أعان ابن كثير على ذلك عصره المتأخر وإحاطته بالاحاديث وإجادته للروايات والاخبار.
1 - إن أول ما نلمسه في سيرة ابن كثير أنه اهتم بالرواية بالاسانيد، تمشيا مع صبغته الغالبة عليه كإمام محدث، وأكثر مروياته عن الامام أحمد والبيهقي، وأبى نعيم.
فلم يكتف بنقل ما كتبه أهل السير أمثال ابن إسحاق وموسى ابن عقبة، ولكنه جمع ما رواه أهل الحديث وبذلك اكتسب مزية يتفرد بها بين من كتبوا في السيرة.
وقد نقد ابن كثير بعض الاسانيد عند ما يكون المتن غريبا، ليحكم على بعض الاحاديث، وأحيانا يبين درجة الحديث دون أن ينقد السند 2 - ثم نجد ابن كثير يمتاز بأنه ينقل عن بعض كتب السير المفقودة مثل كتاب موسى بن عقبة، ومثل كتاب الاموى في المغازى، كما ينقل عن بعض شروح السيرة مثل الروض الانف للسهيلي، والشفا للقاضى عياض.
3 - وفى مجال الاستشهاد بالشعر لا يهمل ابن كثير هذه الناحية، ولكنه لا يتابع ابن هشام في كل مروياته من الشعر فيختصر بعضها ويهمل البعض الآخر.
4 - وبالجملة فإن ابن كثير يحرص على جمع كل ما كتب في الموضوع الذى يتناوله،
ولكنه لا يدمج الاحاديث والاخبار بعضها في بعض، بل يحتفظ لكل نقل بطابعه ومكانه، وكثيرا ما يعوزه الترتيب في النقل، فلا ينسق الاخبار التى ينقلها حتى تكون وحدة منسجمة فأحيانا يبدأ بالخبر المطول، ثم يذكر بعده أخبارا تحتوى على جانب من هذا الخبر أو تكرره 5 - فإذا تتبعنا نقول ابن كثير عن غيره وجدنا فيها ظاهرة عجيبة..هي: أنه يكاد لا يلتزم نص أي شئ ينقله..! فنقوله عن ابن إسحاق أغلبها
بالمعنى، وقد تتبعت ذلك في بعض الصفحات، ورأيت أن إثبات الفروق بين ابن كثير وابن إسحاق شئ يطول مداه، فابن كثير يقدم ويؤخر ويزيد وينقص، ويغير ويبدل ويفوت بهذا التغيير والتبديل كثير من جمال عبارة ابن إسحاق وتناسقها كذلك نجد روايات ابن كثير للاحاديث تختلف بعض الاختلاف عما في أيدى الناس من الكتب التى ينقل ابن كثير عنها.
فأحاديث البخاري التى يرويها ابن كثير بقوله: (وقال البخاري) لا تنطبق حرفيا مع صحيح البخاري الذى بأيدينا.
كذلك القول في روايته عن صحيح مسلم وعن مسند أحمد وعن دلائل النبوة لابي نعيم وعن دلائل النبوة للبيهقي، وعن الشفا للقاضى عياض وعن الروض الانف للسهيلي...تكاد لاتجد خبرا مطابقا بحروفه لما في الكتب المتداولة، فلا يخلو الامر من تغيير أو نقص أو اختصار.
وحين نقف أمام هذه الظاهرة نبحث عن أسبابها فإن هناك أحد احتمالين:
) إما أن يكون ابن كثير - وهو الامام الحافظ المتقن - كان يعتمد على حفظه وروايته ولا ينقل عن النسخ المتداولة 2) وإما أنه كانت هناك نسخ أخرى تختلف عما وصل إلينا من هذه الكتب.
وعلى كل فإن مثل ابن كثير حجة في باب الحديث ولكنها على أي حال ظاهرة تستلفت النظر أن تكون روايات ابن كثير للاحاديث ونقوله عن الكتب مخالفة لما في أيدينا من هذه الكتب...وهى مخالفة لفظية يسيرة في بعض الاحيان.
6 - فإذا ما تفحصنا منهج ابن كثير في الروايات، رأيناه لا يبالي برواية كثير من الاخبار الواهية وخاصة في أخبار الجاهلية وهتاف الجان وقصصه.
وقد كان بإمكانه ألا يلتفت إلى هذه الاخبار التى لا تتمالك أمام النقد، لكنه كان يبرئ نفسه بأمرين: 1) ذكر السند في كل خبر يثبته، وبذلك يلقى التبعة على غيره.
ب) أنه كان يعلق على بعض هذه الاخبار بأنه (غريب جدا) أو (لم يخرجوه) ونحو ذلك مما يضعف جانب الخبر.
لكننا مع ذلك نود أن لو أهمل ابن كثير هذه الاخبار التى ليس لها سند من العقل أو الحقيقة، والتى تزحم الاذهان وتشوش على الحقائق.
وخاصة فيما يتصل بحياة الرسول الكريم صلوات الله عليه، فمثلا الحديث الذى يرويه عن البيهقى عن العباس أنه قال للرسول صلى الله عليه وسلم: (رأيتك في المهد تناغى القمر وتشير إليه بإصبعك، فحيث أشرت إليه مال) ! ثم يذكر موافقة الرسول على ذلك حديث لا يتفق مع العقل أو مع حقائق الوجود، ولا يغنينا بعد ذلك أن يقول ابن كثير: (تفرد به أحمد بن إبراهيم الحلبي وهو مجهول).
إن مثل هذا الحديث يفتح ثغرة أمام أعداء الاسلام ليهجموا على السيرة النبوية من
اب أمثال هذا الحديث من الواهيات والموضوعات.
كذلك خبر خالد بن سنان، وهتاف الجان وأساطيره، سار فيها ابن كثير شوطا بعيدا ممتلئا بالخرافات والاساطير.
لكننا مع ذلك ننتحل العذر لابن كثير في إثبات مثل هذه الاخبار، إذ كان عصره يحتفل بها ويهتم بروايتها، وإذا كان قصده في كتابه الجمع والاستقصاء وما دام قد أخلى تبعته بإسناد كل خبر إلى روايه واهتم بالتخريج والحكم، فإنه بذلك يكون قد أدى واجبه وقام بما عليه.
7 - إن المطالع للسيرة النبوية لابن كثير يحمد لهذا الرجل جهده الذى قام به، إذ مزج أخبار السيرة بروايات الاحاديث فسن بذلك نهجا جديدا لم يكن من
قبله يهتمون به.
وإذ جمع كل ما يمكن في هذا المجال، فوضع أمام المطالع لكتابه مادة وافية تمكنه من الدراسة والاحاطة والاستيفاء.
وقد أعان ابن كثير على ذلك عصره المتأخر وإحاطته بالاحاديث وإجادته للروايات والاخبار.