السعدني
12-12-2007, 11:57 AM
القرآنحقوق القرآن.... واجبات المسلم نحو كتاب ربهنحن بحاجة أن نذكر بحقوق القرآن الكريم علينا، فهو كتب الله بيننا وهو الوحي الذي بقي للناس لم تصله يد التحريف، وهو نعمة الله وكفى، وفضله وحسب أن ينزل إلى عباده كلاما يكتبونه وينسخونه، وإذا أراد أن يفهمه وجد ما يبيّنه من سنة شريفة وهذا من فضل الله.والنعم يجب أن تقابل بالشكر، ولذلك لا ينفع أحد أن القرآن محفوظ بحفظ الله وأنه في كل زمان كأنه أنزل في يومه إذا كان معرضا عنه وليس له حظ من تلاوته أو تدبره أو العمل به. فلا بد أن يتنافس مع المتنافسين، وأن يظهر من الاهتمام ما يجعل نصيبه من فضائل القرآن وفوائده وثوابه حظا وافرا عندما يلقى الله، لا تدركه حسرة أو يطلب العودة لتصحيح الأخطاء.إننا في كثير من المناسبات نجد أننا ندعو:"اللهم أننا نسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور أبصارنا وجلاء همومنا وذهاب غمومنا وقائدنا إليك وإلى جناتك جنات النعيم ودارك دار السلام مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا"اللهم اجعل القرآن العظيم حجة لنا ولا تجعله حجة علينا واجعله شافعا فينا ولا تجعله شاكيا بنا واجعله قائدنا إلى الجنة ولا تجعله سائقنا إلى النار"إننا حين نتأمل هذه الدعوات نجد أنها مطالب عظيمة، ولكنها ليست كافية ليكون القرآن شافعا فينا. فالدعاء في الإسلام يكون بين يدي العمل وقبله وبعده. لذلك نحن في حاجة إلى قراءة صادقة ومتأنية لعلاقتنا بالقرآن، ولا يكفي ذلك الاعتراف بالذنب والتقصير والشغل عن كتاب الله بما هو أدنى منه.وحتى نكون من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، علينا أن ننظر أين نحن من حقوق القرآن، وكلما أقمنا حقا انتقلنا إلى الحق الآخر، فلا يسقط حق حقا. وأن نبذل ما في وسعنا بحيث لا نقدر على المزيد، فيصير هامش التقصير صغيرا. غير أن الفرق بين من سلك الطريق ولقي الله وهو مقبل غير مدبر، وإلا فقدر من التقصير سيلازمنا إلى أن نلقى الله.في الحديث الشريف" "من أوتي القرآن فقد أوتي النبوة غير أنه لا يوحى إليه" وما يقابل إتيان القرآن هو الهجر. يقول تعالى: "وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ".وحقوق القرآن خمسة هي:1- حق التلاوة 2- حق التدبر 3- حق العمل 4- حق الحفظ 5- حق التبليغ لا شك أن للقرآن حقا عظيما، بل حقوقا عظيمة علينا معشر المسلمين..سيقتصر حديثنا على خمس واجبات، ليتنا نحصيها ونحفظها ونطبقها في حياتنا:الأول: كثرة القراءة وتحديد ورد ثابت كل يوم: والسؤال: هل هناك مسلم لا يمكن أن يختم القرآن في حياته؟! هذه مصيبة كبرى! وأنا أسألك أيها القارئ الكريم: أتذكر آخر مرة ختمت فيها القرآن؟! أخشى أن تكون ختمة رمضان الماضي؟!.. وأن يكون مصحفك قد وضع على الرف بعد رمضان وعلاه التراب.. واحذر أن يشهد عليك القرآن أنك هجرته يوم القيامة!! وماذا تفعل لو لم تقرأ وردك اليومي؟! بعض الصحابة كان اذا فاته ورده يبكي.. وقد دخلوا على أحدهم ذات مرة فوجدوه يبكي بشدة، فسألوه: أتشتكي وجعا؟ قال: أشد.. أشد، قالوا: وما ذاك؟ قال: نمت بالأمس ولم أقرأ وردي، وما ذلك الا بذنب أذنبته!! ان كثيرا من الناس يقضون أوقاتا طويلة في قراءة الجرائد.. وقد ينزلون بالليل لكي يحصلوا على صحيفة الغد بتلهف واهتمام! فلماذا لا يحظى كتاب الله ولو بمثل هذا الاهتمام؟! أتزهد في ثواب القرآن؟؟؟؟! وبعض الناس يضيع وقته في التفكير والنظر الى لا شيء وإذا سئل يقول: لا أجد شيئا أعمله!! وهل نسي المسكين كتاب الله؟. روي أن عبدالله بن عمر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله في كم أقرأ القرآن؟ فقال: في ثلاثين أي تقرأ كل يوم جزءا؛ فقال ابن عمر: في ثلاثين! إني أطيق أكثر من ذلك! (وانظر الى هذا النهم وهذا الحب وهذه اللهفة على قراءة القرآن) فقل: ففي عشرين قال: اني أجد قوة ( انا أقوى من هذا) قال: ففي عشر، فقال: فإني أطيق اكثر من ذلك! فقال: ففي خمس قال: يا رسول الله: إني أطيق أكثر من ذلك! قال صلى الله عليه وسلم: في ثلاث ولا أقل من هذا.. وقال صلى الله عليه وسلم: من قرأه في أقل من ثلاث لم يفقهه. رواه الامام أحمد 2\164.ولهذا أيها الأحباب، لا ينبغي أن تكون مدة ختام المسلم للقرآن في أقل من ثلاث ولا في اكثر من شهر؛ طبقا للحديث السابق ذكره.ونحن لا نطالب بأن نكون كالصحابة.. الأمر يحتاج الى تدرج، ومن لا يقرأ القرآن وليس له ورد فليبدأ ولو بربع ثم بحزب ثم يجزء.. وإن استطاع أن يقرأ بعد ذلك جزئين أو ثلاثة في اليوم فبها نعمة وله ثواب الأجر:{ إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملا} الكهف 30. الثاني: تعلم قراءة القرآن: وهذا الأمر ليس صعبا، فمعظم الناس قد يتعلمون الانجليزية أو الفرنسية، فلماذا يصعب عليهم تعلم القرآن الذي نزل بلغتهم وحديثهم اليومي؟! ولاذا يصير كلام الله الذي يقول عنه تعالى:{ ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مّدّكر} القمر 17 لماذا يصير صعبا عليك!!لا شك أن كل واحد يعرف الاجابة عن هذا السؤال.يقول النبي صلى الله عليه وسلم:خيركم من تعلم القرآن وعلمه رواه البخاري 5027 وأبو داود 1452 والامام أحمد 1\58. فأحسن المسلمين من تعلم كيف كيف يقرأ القرآن ثم علمه لغيره..ويقول صلى الله عليه وسلم: الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران رواه البخاري 4937 ومسلم 1859 والترمذي 2904. (اجر القراءة وأجر المشقة)! ومعنى يتتعتع: أي يتلجلج ويضطرب.وهناك سؤال: ما معنى تعلم القرأن؟! معنى تعلم القرآن أن يقرأ المسلم القرآن بأحكامه: يمد الممدود وغن الغنة ويقلل القلقلة..؛ لأن المسلم مطالب أن يقرأ القرآن كما كان يقرؤه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.والسؤال: أين تتعلم تجويد القرآن؟!والاجابة على يد الشيخ في المسجد أو في بيتك أو في بيته.. والأمر كله لا يستغرق أكثر من ثلاثة أو أربعة أشهر!! وبها تصير مع الملائكة الكرام البررة، وبهذا يرقى المسلم وتزداد منزلته عند الله تعالى!ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: أيكم يحب أن يغدو الى السوق فيأتي بناقتين زهراوتين (أي جميلتين عظيمتين) من غير إثم أو قطيعة رحم ( من غير إسراف أو شجار مع أحد)؟ فقالوا: كلنا نحن ذلك يا رسول الله، فقال: لئن تغدو الى المسجد فتتعلم الآيتين من القرآن كل يوم خير لك من أن تذهب الى السوق فتأخذ كذا وكذا رواه مسلم 1870 وأبو داود 1456.، أي أن تعلم آيتين أفضل بمقاييس اليوم من الف جنيه على الأقل! فمن منا يعزف عن هذا الفضل وهذا الكرم العظيم؟!.الثالث: التأثر عند قراءة القرآن: يجب على المسلم أن يتأثر بالقرآن عند تلاوته ويتفاعل معه فيضطرب أو يهتز قلبه، ويشعر أن القرآن يتنزل عليه هو وفي لحظة قراءته، كما حكى الشاعر الكبير محمد إقبال قال: كان أبي يقول لي: يا بني اقرأ القرآن وكأنما عليك أنزل!! وبهذا يذوق المسلم حلاوة القرآن ويستشعر عظمته.. وهذا هو الرسول الأكرم والمعلم الأعظم يضرب المثل والقدوة في التأثر بالقرآن والتجاوب مع آياته الكريمة، قال يوما لعبدالله بن مسعود: اقرأ عليّ القرآن، فيقول ابن مسعود: يا رسول الله: أأقرأ عليك وعليك انزل؟ فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري رواه البخاري 5049 ومسلم 1864 وأبوداود 3668، فجلست أقرأ عليه سورة النساء، حتى وصلت الى قول الله عز وجل: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} النساء 41، فقال له صلى الله عليه وسلم: حسبك الآن أي كفى، فنظرت اليه فإذا عيناه تذرفان (أي يبكي من التأثر بالقرآن والتعايش معه؛ إذ علم أنه صلى الله عليه وسلم المقصود والمعني بهذه الأية).وأنا أسألك أخي العزيز: هل بكيت وأنت تقرأ القرآن ذات مرة؟!.وهذا صحابي آخر يقول: كنا نسمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن في الصلاة أزيزا كأزيز المرجل من البكاء (أي أنه صلى الله عليه وسلم كان يحدث مثل الهزة عند القراءة لشدة تأثره بها، وأزيز المرجل هو صوت الاناء الذي يغلي به الماء)!!وهذا هو الصديق رضي الله عنه تلميذ النبي الأول ورفيقه في حياته وبعد مماته، لما اشتكى النبي صلى الله عليه سلم مرضه الذي مات فيه قال لآل بيته:مروا أبا بكر فليصل باناس رواه البخاري 664 ومسلم 940 وأبوداود 1232 والامام أحمد الحديث 4\412.، فكأنهم تعجبوا من ذلك وقالوا يا رسول الله: غن أبا بكر رجل أسيف ( شديد التأثر بالقرآن ) إذا قرأ القرآن بكى!!وهذا سيدنا عمر رضي الله عنه كان يسير في الطريق ذات يوم فسمع رجلا يقرأ قوله تعالى من سورة الطور:{ إنّ عذاب ربك لواقع*ماله من دافع}.. فسقط مغشيّا عليه، فحمله الناس الى بيته وظلوا يزرونه شهرا، يظنون أن به مرضا، وما به مرض بل شدة الخوف من الله تعالى واستحضار لمشهد يوم القيامة العظيم، وشدة عذاب الله تعالى للكافرين.وجاء وفد اليمن الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعوا قرآنا فبكوا كلهم، فنظر اليهم الصديق رضي الله عنه وقال: كنا كذلك قبل ان تقسو القلوب! الصديق رضي الله عنه يتحدث عن قسوة القلوب! فماذا نحن قائلون؟ وماذا نحن فاعلون؟! وهذا عبّاد بن بشر رضي الله عنه يقف على حراسة المسلمين ذات ليلة ومعه عمار بن ياسر؛ فقام عبّاد يصلي، فبينما هو كذلك أتىأحد الكفار فضربه بسهم في كتفه فلم يخرج من صلاته، بل نزع السهم واستغرق في صلاته وتلذذه بالقرآن المجيد، فرماه الكافر بسهم آخر فنزعه وعاد الى صلاته وقراءته! فرماه بثالث فلم يستطع ان يتحمل شدة الجروح وكثرة الدماء فركع وسجد ثم أيقظ عمارا رضي الله عنه، فساله عمار: لما لم توقظن من أول سهم! فقال : كنت في سورة من القرآن، لخروج روحي أحب اليّ من أن أدعها!!فهل شعر أحد منكم بلذة القرآن وحلاوته؟ هل دخل أحدكم مرة في صلاة لقيام وكان ينوي أن يصلي بربع فإذا به لا يستطيع مقاومة حلاوة القرآن فقرأ أكثر من ذلك واستمتع بالقرآن ومناجاة الرحمن؟!.وهذا التابعي الجليل الأحنف بن قيس رحمه الله كان يقرأ قوله تعالى:{ لقد أنزلنا اليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون} النبياء 10 أي فيه أخباركم وصفاتكم وافعالكم، يقول: فأفتح القرآن وأنظر واقول: أرى بماذا يذكرني ربي اليوم.. فيقرأ ويقرأ حتى يمر بقوله تعالى:{ إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار} النساء 145، فيقول: لست من هؤلاء، لست من هؤلاء.. وعندما يقرأ قوله تعالى:{ إنّما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} الأنفال 2. فيندم ويقول: لست من هؤلاء!ويقرأ قوله تعالى:{ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم} التوبة 102 فيقول: أنا من هؤلاء، أنا من هؤلاء!.فانظر الى تفاعل هذا التابعي الجليل مع القرآن العظيم، وهكذا يجب أن أدب المسلم مع القرآن دائما. وقد قيل إذا سمعت قوله تعالى:{ يا أيها الذين آمنوا} فأنصت، فإنه إما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه. والناس يتفاوتون في التجاوب مع القرآن، ونرى هذا واضحا في شهر رمضان، لا سيما في صلاة التهجد، فبعضهم يتأثر ولا يبكي وبعضهم لا يتأثر ولا يبكي، والعجب أنك قد ترى رجلا غير عربي باكستانيا أو بنغاليا مثلا، ومع ذلك يبكي عند سماع القرآن، وسبحان الله.. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.والقلب إذا قسا لا يتأثر بالقرآن. يقول تعالى عن اليهود في سورة البقرة:{ ثم قست قلوبهم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة} البقرة 74 الى آخر الآية.ويتحدث النبي صلى الله عليه وسلم وكأنه يصف احوال قلوبنا التي قلما تتأثر الآن بالقرآن فيقول: سبيلي القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب، فيقرؤونه لا يجدون له لذة، وان قصروا قالوا: سنبلغ ( أي سنصل الى ما نريد)، وإن أساؤوا قالوا: سيفغر لنا رواه الدرامي 2\439.